ابن عربي

141

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) يقال : صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه .

--> بالإيمان ، وكله استبدال ، لا ينكر عليه في نفسه القذرة أن يستبدل المن والسلوى بالثوم والبصل ، فقال لهم اللّه « اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ » لأنهم سألوا دنيّا ، فأهبطوا من عز رفعتهم بعناية اللّه بهم وما اختاره من الطعام الطيب ، وقوله « مِصْراً » منونا ، أي مصرا من الأمصار ، ومن لم ينوّن أراد البلدة المسماة بمصر ، فلما هبطوا وكفروا بآيات اللّه ، وقتلوا النبيين بغير الحق وعصوا واعتدوا « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ » أي ألصقت بهم ، من ضربت الطين على الحائط إذا ألصقته ، يقول لزمتهم الذلة وهي الصغار ، والمسكنة الخضوع والسكون تحت صولة الإيمان ، فلم يرفع اللّه لهم علما ، ولا قام منهم ملك ، حيث كانوا في جميع الملل لا يزالون أذلاء صاغرين « وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ » أي استحقوا الغضب من اللّه ، يقال باء فلان بفلان إذا كان حقيقا أن يؤخذ به لمساواته إياه في الكفاءة في ذلك ، وقال عليه السلام : من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما ، أي استحق ذلك الإطلاق أحد الرجلين ، إما المقول فيه إن كان كافرا ، وإما القائل إن كان المقول فيه مسلما ، لأنه سمى الإسلام كفرا ، ومن اعتقد بذلك فقد كفر ، ذهب إلى هذا بعض العلماء ، ثم قال « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ » هذه باء السبب « كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ » قد تقدم شرح الكافر في أول السورة ، وقوله « بِآياتِ اللَّهِ » يقول بما نصبه الحق من الدلالات على تصديق ما جاءت به رسله من كتاب وغيره « وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ » سبب آخر زائد على الكفر بالآيات ، يقول عنادا ، أي لم يقتلوهم بحق من عندهم فيما يرجع إلى دينهم ، فالألف واللام للحق المعهود عندهم ، لا للحق الذي جاءت به الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، فإن ذلك معلوم بلا شك ، وإنما فائدة ذكر الحق فيما ترجمنا عنه « ذلِكَ بِما عَصَوْا » في ردهم الآيات « وَكانُوا يَعْتَدُونَ » يتجاوزون الحق الذي اتخذوه دينا ، ما وقفوا عنده ، بل تعدوه وجاوزوه بالمخالفة في قتلهم الأنبياء ( 63 ) « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا » الآية ، يقول : إن الذين آمنوا أي أقروا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ، فيكون على هذا من آمن منهم باللّه يعود الضمير عليهم ، وعلى الذين هادوا والنصارى والصابئين مخلصا من قلبه ، وقد يريد « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا » خالصا من قلبه « وَالَّذِينَ هادُوا » يعني اليهود ، يقال هاد يهود وتهوّد إذا دخل في دين اليهودية « وَالنَّصارى » جمع نصران « وَالصَّابِئِينَ »